العطش العاطفي: إرث الأمهات الذي تعيشه البنات بصمت
Mar 06, 2025عنوان القصة: “الفراغ الذي لا يملؤه النجاح”
في مساءٍ هادئ، جلست سارة في مكتبها الأنيق داخل شقتها التي تطل على المدينة. أضواء الأبراج تلمع من حولها، ولكنها لم تشعر بأي دفء من تلك الأضواء. كانت قد حققت ما يحلم به الكثيرون؛ وظيفتها مرموقة، شقة أنيقة ، سيارة فاخرة، وجميع مظاهر النجاح التي يمكن أن يطمح إليها أي شخص. لكن شيئًا ما كان مفقودًا.
فتحت هاتفها المحمول وتصفحت الرسائل، لكن أغلبها كانت من زملاء العمل أو شركات تتحدث عن المشاريع المقبلة. لم تجد في تلك الرسائل ما يثيرها أو يشبع رغبتها في التواصل. نظرت في مرآتها، ورأت امرأة قويت على الحياة بمفردها، ولكنها أيضًا كانت وحيدة. لم يكن هناك من يشاركها الأفراح الصغيرة أو حتى اللحظات اليومية العادية.
تذكرت كيف كانت والدتها دائمًا تردد: “تحتاجين إلى الزواج والحب كي تكوني كاملة.” كانت تلك الكلمات تتردد في ذهنها، لكنها لم تجد لها معنى. في عالمها المزدحم، كان الحب يبدو وكأنه شيء بعيد المنال.
كان حلمها الوحيد هو أن تجد شخصًا يُقدّرها كما هي، بعيدًا عن تلك القشور التي تراها الناس فيها. ولكنها كانت تخشى أن تُظهر ضعفها، فهي لا تعرف كيف تُظهر مشاعرها أمام الآخرين. ربطت الحب دائمًا بالضعف، وتعلمت أن تكبح احتياجاتها العاطفية لتسير قدمًا في مسار النجاح المهني.
فجأة، وجدت نفسها تفتش في أرقام هاتفها ، كأنها تتوسل أن يرن هاتفها، من الشخص الذي كان يراود خيالها ، وهو نفس الرقم الذي يُذكّرها بأوقات مضت، عندما كانت تترك نفسها في حضن الحب بدون شروط، حيث قبلت بكثير من التنازلات قبل أن يرحل هذا الشخص ويتركها مع شعورها المستمر بالفراغ العاطفي.
أغلقت الهاتف، وعادت للنظر عبر النافذة. كان شعوراً مزدوجًا؛ من جهة، كانت راضية عن إنجازاتها، ومن جهة أخرى، كانت تشعر أنها ليست مكتملة. ربما كان النجاح في الحياة المهنية لا يُغني عن شيء إذا كان القلب لا يجد ما يشبع احتياجاته.
استلقت سارة على سريرها، ودموعها تنساب بصمت كأنها تغسل سنوات من الصمت العاطفي. شعرت بثقل في صدرها، وكأن كل المشاعر التي كبتتها لسنوات قررت أن تنفجر في لحظة واحدة.
تذكرت كل اللحظات التي تظاهرت فيها بالقوة، كل مرة أخبرت نفسها أنها بخير، وكل مرة أقنعت نفسها أن الحب مجرد رفاهية. لكن في هذه الليلة، لم تستطع الهروب من الحقيقة: كانت عطشى للحب، لكنها كانت تجهل كيف تمنحه لنفسها.
في الظلام، وبين شهقات البكاء، همست بصوت مرتعش:
“أنا أستحق الحب… حتى لو لم أكن مثالية.”
كانت تلك الجملة صغيرة، لكنها اخترقت جدار الألم. شعرت بشيء دافئ ينبض في قلبها، وكأن صوتًا خافتًا في داخلها بدأ يستيقظ.
——————-
القصة التي قرأتِها ليست مجرد مشهد خيالي، بل هي واقع تعيشه الكثير من النساء دون وعي. النجاح الظاهري قد يُخفي وراءه فراغًا داخليًا، عطشًا للحب والاحتواء، وكأن القلب يبحث عن شيء مفقود. لكن من أين يأتي هذا العطش العاطفي؟ ولماذا تشعر بعض النساء أنهن يلهثن وراء الحب حتى بعد تحقيق كل شيء؟
ما هو الإرث العاطفي؟
• الإرث العاطفي هو المشاعر والأنماط العاطفية التي تنتقل من جيل إلى آخر، خاصة بين الأمهات والبنات. عندما تكبر الفتاة في بيئة ينقصها الحب غير المشروط أو تكون الأم نفسها محطمة عاطفيًا، فإن الفتاة غالبًا ما تحمل هذا الألم دون أن تدرك.
كيف يُزرع العطش للحب في الطفولة؟
• إذا كانت الأم غير قادرة على منح الحنان لأنها تعاني من نقص داخلي، قد تشعر البنت أن عليها السعي الدائم لنيل الحب.
• الحب المشروط (“سأحبك إذا كنتِ ناجحة/مطيعة/مثالية”) يعلّم الفتاة أن الحب ليس حقًا طبيعيًا، بل يجب كسبه.
علامات أنكِ تحملين إرثًا عاطفيًا مؤلمًا:
• السعي المفرط وراء العلاقات العاطفية أو الإنجازات لملىء فراغ داخلي.
• تكرار أنماط حب مؤلمة تشبه علاقات الأم أو الجدة.
• الشعور بعدم الاستحقاق للحب إلا إذا كنتِ “مثالية”.
كيف تكسرين السلسلة العاطفية المؤلمة؟
1. الوعي والإدراك: الاعتراف بأن ما تشعرين به قد يكون إرثًا عاطفيًا وليس حقيقة عن قيمتكِ الذاتية.
2. الشفاء الداخلي: ممارسة تقنيات التحرر العاطفي مثل PEAT أو التأمل والكتابة التأملية لاستكشاف المشاعر العالقة.
3. بناء حب الذات: تعلّم تلبية احتياجاتكِ العاطفية بنفسكِ بدلًا من انتظارها من الآخرين.
4. تغيير الحوارات الداخلية: استبدال الأفكار السلبية عن الحب والاستحقاق برسائل رحيمة لنفسكِ.
قد يكون العطش العاطفي إرثًا، لكنه ليس قدرًا. إنه مجرد انعكاس لأنماط عاطفية متوارثة يمكنكِ تغييرها. لديكِ القدرة على التحرر من هذا الإرث وكتابة قصة جديدة مليئة بالحب والدفء، تبدأ من أعماقكِ أنتِ.
إذا كنتِ مستعدة لاحتضان ذاتكِ، والعودة إلى جذور مشاعركِ لتحرريها وتزرعي مكانها الحب والأمان، فأنتِ مدعوة للانضمام إلى برنامج “مفاتيح التغيير”. في هذا البرنامج، ستخوضين رحلة داخلية عميقة، تكتشفين خلالها الأسباب الخفية التي صنعت هذا العطش العاطفي، وستتعلمين أدوات فعالة لتحويل الألم إلى حب، والفراغ إلى اكتمال.
قصتكِ الجديدة بانتظاركِ… كل ما عليكِ هو أن تختاري نفسكِ هذه المرة.
انضــم ل 2000+ مهتم بالصحة النفسية تصلهم مقالاتي على الإيميل.
تركّــز المقالات على الصحة النفسية و طرق العلاج الصحية الجديدة