احجز استشارة

الدليل الذي لم يعبر الجسر بعد

Mar 22, 2025

لماذا يحتاج المتخصص النفسي إلى معالجة صدماته؟


تخيل دليلًا سياحيًا يقود مجموعة من الأشخاص عبر غابة كثيفة، متجهين نحو قمة جبل ساحرة. خلال رحلتهم، يصلون إلى جسر خشبي معلق بين واديين عميقين. يقف الدليل عند حافته، يخبرهم بثقة أن الجسر آمن، لكن قلبه ينبض بتردد، فهو نفسه لم يجرب العبور من قبل. كيف يمكنه أن يقنع الآخرين بالسير فوقه إذا كان الخوف يثقل خطاه؟ كيف يقودهم إلى الضفة الأخرى وهو لم يختبر الطريق بنفسه

هذا المشهد يشبه تمامًا المتخصص النفسي الذي لم يعالج صدماته بعد. لا يكفي أن يمتلك المعرفة النظرية عن الشفاء، بل يجب أن يكون قد اختبر هذه الرحلة بنفسه حتى يتمكن من إرشاد الآخرين بثقة وحيادية. عندما تبقى الصدمات غير معالجة، فإنها تؤثر على وعيه، وتنعكس على أسلوبه في الدعم النفسي، مما يجعله غير قادر على قيادة عملائه نحو التحرر العاطفي الحقيقي.

في هذا المقال، سنناقش
❕كيف ان الشفاء الشخصي للمتخصص ضرورة لجودة الدعم النفسي
❕وكيف تؤثر الصدمات غير المعالجة على المتخصص النفسي،
❕وما الذي يمكنه فعله ليصبح أكثر وعيًا وقوة في ممارسته المهنية

 


التحرر من الصدمات: رحلة نحو الاحترافية العميقة

عندما يقرر المتخصص النفسي مواجهة صدماته ومعالجتها، فإنه بذلك يطور من قدرته على مساندة الآخرين بوعي واحترافية. فالمعالج النفسي الذي يعبر رحلة الشفاء الخاصة به يصبح أكثر قدرة على استيعاب عملائه دون إسقاط مشاعره عليهم، وأكثر كفاءة في مساعدتهم على الشفاء من خلال الفهم العميق لتجربتهم.

تأثير الشفاء الشخصي على جودة الدعم النفسي

ماهي الجوانب التي تتطور بعد التحرر من الصدمات:
1. زيادة القدرة على التعاطف الواعي: بعد التحرر من الصدمات، يصبح التعاطف لدى المتخصص أكثر نضجًا، فهو يشعر بآلام الآخرين دون أن يذوب فيها، ويقدم الدعم من منطلق قوة بدلاً من معاناة مشتركة.
2. وضوح الهوية المهنية: حينما يتحرر المتخصص من رواسب الماضي، تتضح لديه معالم هويته المهنية، فيدرك دوره وحدوده بشكل أكثر تماسكًا، ويتعامل مع الجلسات العلاجية بثقة ووعي.
3. اتخاذ قرارات علاجية دقيقة: الصدمات غير المعالجة قد تدفع المتخصص إلى اتخاذ قرارات عاطفية أثناء الجلسات، مثل حماية العميل بشكل زائد عن الحاجة، أو تجنب مواضيع حساسة خوفًا من إثارة مشاعره الشخصية. لكن بعد التحرر من هذه الصدمات، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متوازنة تدعم العميل في رحلته العلاجية.
4. القدرة على استقبال النقد والتطوير المستمر: عندما يكون المتخصص النفسي محررًا من صدماته، فإنه لا يخشى النقد ولا يأخذ الملاحظات على محمل شخصي. بل يعتبرها فرصة للتطور، مما يجعله دائم التحسين لأدواته ومهاراته.

 

رحلة التحول: من الجرح إلى القوة

المتخصص النفسي الناجح ليس هو الشخص الذي لم يعش صدمات أو تجارب مؤلمة، بل هو الشخص الذي استطاع التعامل معها بوعي، واستخدمها كوقود لنموه الشخصي والمهني. فحين يكون المعالج متحررًا من صدماته، يتحول إلى مصدر طاقة متوازنة، يستطيع أن يقود عملاءه إلى التحرر بنفس الوعي الذي وصل إليه.

لهذا، فإن الاستثمار في الشفاء الشخصي ليس خيارًا إضافيًا، بل هو جزء أساسي من بناء هوية نفسية قوية للمتخصص النفسي. وكما يُقال: “لا يمكنك أن تأخذ الآخرين إلى أماكن لم تزرها بعد”—فالتحرر من الصدمات هو المفتاح الأول للقدرة على إرشاد الآخرين نحو الشفاء الحقيقي

 


كيف تؤثر الصدمات غير المعالجة على المتخصص النفسي؟

عندما يدخل المتخصص النفسي عالم المساندة والعلاج، فإنه يضع نفسه في موضع الإصغاء العميق لمشكلات الآخرين، متحملًا عبء مساعدتهم في رحلتهم نحو الشفاء. ولكن ماذا لو كانت لديه جراح لم تلتئم بعد؟ ماذا لو لم يعالج صدماته الشخصية؟ في هذه الحالة، قد لا يكون مجرد مستمع أو داعم، بل قد يصبح متورطًا عاطفيًا بطريقة لا يدركها، مما يؤثر على جودة دعمه النفسي.

 


أولًا: أنواع التأثير

1. التفاعل العاطفي المفرط أو الانفصال العاطفي

إذا كان المتخصص النفسي لم يعالج صدماته، فقد يتفاعل مع بعض الحالات العاطفية بشكل مبالغ فيه، وكأن مشاعر العميل تحرك جراحه الخاصة. قد يجد نفسه غارقًا في ألم العميل، بدلًا من أن يكون مرشدًا متزنًا. وعلى العكس، قد يطور نوعًا من الانفصال العاطفي لحماية نفسه، فيبدو باردًا أو غير متعاطف مع عملائه، مما يقلل من فعالية جلساته العلاجية.

2. الإسقاط العاطفي على العملاء

الصدمات غير المعالجة قد تدفع المتخصص إلى إسقاط مشاعره وتجربته الشخصية على العميل. على سبيل المثال، إذا كان يعاني من تجربة خيانة غير معالجة، فقد يكون متحيزًا عند مساعدة شخص يعاني من مشكلة مشابهة، وبدلًا من تقديم رؤية متوازنة، قد ينصح العميل بناءً على مشاعره الشخصية وليس بناءً على احتياجات العميل الحقيقية.

3. اتخاذ قرارات علاجية غير متزنة

عندما يكون المتخصص النفسي متأثرًا بصدماته، قد يميل إلى تجنب مواضيع معينة خوفًا من استرجاع آلامه، أو قد يكون مفرطًا في توجيه العميل نحو حلول تتناسب مع تجاربه الخاصة بدلًا من التركيز على ما يناسب العميل فعلًا. هذا يؤدي إلى قرارات علاجية قد لا تكون في مصلحة العميل.

4. الشعور بالإرهاق النفسي والاحتراق المهني

الصدمات غير المعالجة قد تجعل المتخصص النفسي أكثر عرضة للإرهاق النفسي، حيث يشعر بثقل الجلسات العلاجية وكأنها تعيد له ألمه الشخصي في كل مرة. ومع مرور الوقت، قد يفقد الشغف بالمجال ويشعر بأنه مستنزف عاطفيًا.

 

ثانيًا: كيف يمكن للمتخصص النفسي أن يصبح أكثر وعيًا وقوة؟

1. خوض رحلة العلاج الذاتي بوعي

قبل أن يساعد الآخرين، يحتاج المتخصص النفسي إلى معالجة صدماته الشخصية بوعي، سواء باللجوء إلى معالج نفسي متخصص أو باستخدام تقنيات مثل PEAT. فكما أن الجراح لا يجري عملية جراحية لنفسه، كذلك يحتاج المعالج النفسي إلى من يساعده في رحلته.
ويُعدّ تطوير الوعي الذاتي والتأمل في المشاعر مفتاحًا لفهم تأثير صدمات الماضي على ردود الفعل الحالية، مما يساعده على فصل مشاعره الشخصية عن مشاعر العميل أثناء الجلسات العلاجية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال التأمل أو ممارسة التراكينغ (Tracking) لمراقبة المشاعر بوعي


2. بناء هوية مهنية قوية ومستقلة عن تجاربه الشخصية

من الضروري أن يطور المتخصص النفسي هوية مهنية قوية ومستقلة عن تجاربه الشخصية، قائمة على أسس علمية وتجارب عملية، وليس فقط على ماضيه الشخصي. هذا يمنحه القوة للتعامل مع العملاء دون أن يكون متأثرًا بهم عاطفيًا. ولهذا، فإن برنامج “بناء هوية المساند النفسي” يساعد المتخصصين على تأسيس هذه الهوية بوضوح، من خلال فهم مكونات الهوية المهنية، والتدرب على أدوات تعزز الثقة والانفصال العاطفي الصحي، مما يضمن لهم أداءً أكثر توازنًا واحترافية

3. تلقي الإشراف والتدريب المستمر

من المفيد أن يكون لدى المتخصص النفسي مشرف مهني أو مجموعة دعم من زملائه المتخصصين، حيث يمكنه مشاركة تحدياته والحصول على تغذية راجعة تساعده في تطوير نفسه باستمرار. ولهذا، يوفر “نادي المساندين النفسيين” مساحة تفاعلية تجمع المتخصصين في بيئة داعمة، من خلال اجتماعات شهرية، ونقاشات مفتوحة، ومحتوى تعليمي مستمر، مما يساعدهم على النمو المهني والتعامل مع التحديات بوعي وثقة

 

ختامًا: الشفاء هو المفتاح للاحترافية الحقيقية

لا يمكن للمتخصص النفسي أن يقود عملاءه إلى التحرر العاطفي إذا لم يصل إليه بنفسه. كلما كان أكثر وعيًا بصدماته، وأكثر جرأة في معالجتها، كلما أصبح أكثر قدرة على تقديم دعم نفسي حقيقي وعميق. فالمعالج الناجح هو من يعبر الجسر أولًا، ليتمكن من إرشاد الآخرين إليه بثقة

تحياتي
بلقيس يمان قنبرجي

 

انضــم ل 2000+ مهتم بالصحة النفسية تصلهم مقالاتي على الإيميل.

 

تركّــز المقالات على الصحة النفسية و طرق العلاج الصحية الجديدة